الإنسان مزيج من الطبائع، والخلائق، والخلال، والمَلكات، والصفات التي لا حصر لها، ومن يحاول إحصاءها يكون كمن يجهد نفسه في عدّ النجوم في ليلة صافية دون جدوى، ولكن ما هو الضابط لكل تلك الصفات، وما الذي يُسيِّرها نحو النجاح والسداد، ومَن يقودها ويوحدها في الطريق الصحيح؛ لتكون عوناً له في بلوغ المراقي، وقمم النور والضياء؟ إنه بلا أدنى شك "الرأي الحكيم، والعقل السليم الناضج"، فهما يوصلان صاحبهما إلى بر الأمان دائماً، وبما أن شعراءنا العرب لم يتركوا باباً إلا طرقوه، ولا درباً إلا سلكوه، فقد تحدثوا عن أهمية الرأي الصائب، والرزانة، والحكمة، فهذا المتنبي مالئ الدنيا، وشاغل الناس في عصره، وفي العصور التي تلته، يتناول هذا المعنى بقوله:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ هو أوّلٌ وهيَ المحلُّ الثاني
فإذا هما اجتمَعا لِنفسٍ حرَّةٍ بلغَتْ مِنِ العلياءِ كلَّ مكانِ
وقد قال هذا البيت في معرض مديحه لسيف الدولة الحمداني عندما غزا الروم، ولكنه أضحى حِكمة وقولاً مأثوراً يصلح لكل زمانٍ ومكان، حيث قدَّمَ التَّفكير الصائب، والرأي المبني على المنطق، والمعطيات الصحيحة على الشجاعة والإقدام؛ وذلك لأن الشجاعة قد تنقلب إلى تهوُّر يودي بصاحبه إلى الهلاك إذا لم يكن مخططاً له، ومحاطاً بالمَحاذر الضرورية التي تحمي من الأخطار، ورأى المتنبي أيضاً أن الإنسان إذا امتلك هذين الجانبين (الحكمة والرأي السديد والشجاعة)، وكانت لديه نفس أبية طامحة، فسوف تصل دون أدنى شك إلى المجد، وستَحوزه من كل أطرافه، وجوانبه، وستقبض عليه كما يقبض الصقر على فريسته بقوة دون أن يترك لها مجالاً للإفلات.
فعلينا أن نغذي عقولنا بالحكمة والرأي السديد، من خلال التزود بمختلف أنواع العلوم والمعارف، وأنا نسير على نهج الحكماء والمفكرين الذين تركوا أسمى المعارف بين أيدينا.

0 تعليقات