النسيان من أكبر النعم التي منحنا الله إياها، ولا أقصد بذلك عدم الإدراك، أو عدم الانتباه إلى المهام اليومية والحياتية الملحّة، والتي يجب على الإنسان أن يقوم بها، بل أقصد عثرات الماضي، وآلامه، وشدائده، وانتكاساته، وطعناته، فقافلة الحياة تتسارع وتجدُّ المسير دون توقّف، ولا يمكن أن تنتظر أحداً، فإذا بقي الإنسان متقوقعاً في أحزان الماضي، فهيهات له أن ينهض ويركب قافلة النجاح، وبذلك ندرك تمام الإدراك أن عدم الالتفات إلى هزائم الماضي، والنظر دائماً نحو الأمام، هو أفضل طريق لبلوغ المآرب العُليا، عليك فقط التعلم من تجارب الأيام الماضية، وحِكم التاريخ دون التوقُّف عندها، فنور المستقبل لا يكمنُ خلفك، بل يتجلّى أمامك ساطعاً مشرقاً، واعلمْ أن الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك، وتشدّ عزمك، وتمنحك خبرة ودراية، وتكسبك الحذر الذي يرافقه الإقدام، وهنا توقفني مقولة لمصطفى لطفي المنفلوطي: "فليذهب الماضي بخيره وشره، ولِيأتنا الحاضر بما نريد"، وقال الشاعر أيضاً:
إذا ألقى الزَّمانُ عليكَ شراً وصارَ العيشُ في دنياكَ مرّاً
فلا تجذعْ لحالِكَ بلْ تذكَّرْ كم أمضيْتَ في الخيراتِ عُمراً
ومن المفروض أن تَثِبَ وتقفز من مرحلة إلى أخرى، ولكن بحكمة، ودون تهوّر يُضيِّع عليك فرحة الوصول إلى مرادك، وعندما تصل لا تستقر في مكانك، بل تابعْ خطاك، وواصل الرحلة، ولا تقنعْ بما بلغته، فالدنيا مليئة بالغايات والأهداف التي لم تحققها بعد، كما أن الإنسان المتقاعس وصاحب النظرة قصيرة المدى هو من يرضى بهدف واحد، ويعتبره نهاية المطاف، ولكن ذلك بعيد كل البعد عن الحقيقة، وعن طبيعة الإنسان الطامحة الجامحة والمشتعلة الوقّادة التي لا تقنع بالقليل، ولا تكتفي بما قبضت عليه.
فكن كالنسر الذي يحلق عالياً مالكاً السماء، ومع ذلك ينظر إلى أبعد مدى يترصد فرائسه التي اختارت أن تقبع في الأسفل؛ لينقض عليها، ثم يعود ليطير إلى أعالي القمم.

0 تعليقات