الحياة تستمر، والأيام تتوالى منذ بدء الخلق إلى الآن، ولم يستطع أي إنسان مهما عظم شأنه، واشتد ساعده، وترامى ملكه، وقوي عزه وجبروته أن يخلد في هذه الأرض، فلا بدّ لعجلة الزمان أن تمر عليه، وتَسمح لِوهْن الشيخوخة أن يصيبه، والشعراء جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، وقد تأثروا بتقلبات الزمن، وراحوا بما يملكون من حسٍّ رقيق، وعاطفة متدفقة، وتأملات عميقة يسردون ما جال بخواطرهم، وما عاشوه في تجارب حياتهم، ويعبرون عن تمكن الدهر منهم، وعن شيخوختهم، وضعفهم عند الكبر، وهذا ما نراه واضحاً عند أبو العتاهية، حيث قال:
بَكيْتُ على الشّباب بدمعِ عيني فلم يغنِ البكاءُ ولا النَّحيبُ
فيا ليتَ الشَّبابَ يعودُ يوماً فأخبرُه بما صنعَ المَشيبُ
فهو في هذين البيتين يُظهر مدى التأثّر على أيام شبابه وعنفوانه، وكأنه قد شعر بأن قطار الفتوة قد فاته، ولم يعد بالإمكان ركوبه، وربما ارتكب أخطاءً في شبابه، أو أنه لم يستغله بالشكل الأنسب، أو أنه كان قادراً على تحقيق أمور أخرى تقاعس عنها، ولم يفده البكاء، ولا العويل، ولا الحزن في إعادته؛ لأن الثانية الواحدة إذا انقضت لا تعود، فما بالك بمرحلة كاملة من العمر! وعندما أيقن بعجزه عن استعادة شبابه تمنى أن يرجع ولو لمرة واحدة فقط كي يخبره بما فعل الشيب والهرم به، وكيف قُهِرَ، وعجزَ، وبدأت قواه تضعف شيئاً فشيئاً. وإننا عندما نقرأ هذا القول ندرك أن أبا العتاهية لا يتحدث عن معاناته النفسية الذاتية فقط، بل يعبّر عن واقع شريحة كبيرة جداً من الناس، ويتحدث بلسان حالهم، وهذا دَيدَنُ الشعراء، فهم مرآة صافية تعكس واقع المجتمع الذي يعيشون فيه بشكل صادق وجليّ.
وإني أدعو كل شاب أن يتأمل في ما أورده أبو العتاهية، حتى يستثمر هذه الجزء من سنوات حياته بالشكل الأمثل، ولا يندم في المستقبل على ما فات وانقضى.

0 تعليقات